الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
71
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحرف الشرط من قوله : إِنْ أَرادَ مستعمل في مجرّد التّعليق من غير دلالة على الاستقبال ، لأنّ إهلاك أمّ المسيح قد وقع بلا خلاف ، ولأنّ إهلاك المسيح ، أي موته واقع عند المجادلين بهذا الكلام ، فينبغي إرخاء العنان لهم في ذلك لإقامة الحجّة ، وهو أيضا واقع في قول عند جمع من علماء الإسلام الّذين قالوا : إنّ اللّه أماته ورفعه دون أن يمكّن اليهود منه ، كما تقدّم عند قوله تعالى : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ [ النساء : 157 ] ، وقوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] . وعليه فليس في تعليق هذا الشرط إشعار بالاستقبال . والمضارع المقترن بأن وهو أَنْ يُهْلِكَ مستعمل في مجرّد المصدرية . والمراد ب مَنْ فِي الْأَرْضِ حينئذ من كان في زمن المسيح وأمّه من أهل الأرض فقد هلكوا كلّهم بالضرورة . والتّقدير : من يملك أن يصدّ اللّه إذ أراد إهلاك المسيح وأمّه ومن في الأرض يومئذ . ولك أن تلتزم كون الشرط للاستقبال باعتبار جعل مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بمعنى نوع الإنسان ، فتعليق الشرط باعتبار مجموع مفاعيل يُهْلِكَ على طريقة التغليب ؛ فإنّ بعضها وقع هلكه وهو أمّ المسيح ، وبعضها لم يقع وسيقع وهو إهلاك من في الأرض جميعا ، أي إهلاك جميع النّوع ، لأنّ ذلك أمر غير واقع ولكنّه ممكن الوقوع . والحاصل أنّ استعمال هذا الشرط من غرائب استعمال الشروط في العربية ، ومرجعه إلى استعمال صيغة الشرط في معنى حقيقي ومعنى مجازي تغليبا للمعنى الحقيقي ، لأنّ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعمّ الجميع وهو الأكثر . ولم يعطه المفسّرون حقّه من البيان . وقد هلكت مريم أمّ المسيح - عليهما السّلام - في زمن غير مضبوط بعد رفع المسيح . والتذييل بقوله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ فيه تعظيم شأن اللّه تعالى . وردّ آخر عليهم بأنّ اللّه هو الّذي خلق السماوات والأرض وملك ما فيها من قبل أن يظهر المسيح ، فاللّه هو الإله حقّا ، وأنّه يخلق ما يشاء ، فهو الّذي خلق المسيح خلقا غير معتاد ، فكان موجب ضلال من نسب له الألوهية . وكذلك قوله : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . [ 18 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 )